السيد محمد باقر الصدر

214

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

مدى الخسارة التي تحيق بها من جرّاء عدم استخدام كلّ أرض فيما هي أكثر صلاحيّة له . وهكذا نعرف أنّ الكمّية الواحدة من العمل الزراعي قد تنتج قيمتين مختلفتين تبعاً للطريقة المتّبعة في تقسيمها على الأراضي المتنوّعة . ومن الواضح - في ضوء ذلك - أنّ القيمة المضاعفة التي تحصل من استخدام كلّ أرض فيما هي أكثر صلاحيّة له ليست نتيجة للطاقة التي أنفقت في الإنتاج ؛ لأنّ الطاقة هي الطاقة لا تتغيّر ، سواء زرعت كلّ أرض بما هي أصلح له أم زرعت بغيره ، وإنّما هي - القيمة المضاعفة - مدينة للدور الإيجابي الذي تلعبه الأرض نفسها في تنمية الإنتاج وتحسينه « 1 » .

--> ( 1 ) ويمكن للماركسيّة أن تقرّر - بصدد الدفاع عن وجهة نظرها - أنّ الكيلو من القطن مثلًا إذا كان يتطلّب إنتاجه ساعة من العمل في بعض الأراضي وساعتين من العمل في البعض الآخر فلا بدّ من أخذ المعدّل لمعرفة العمل المتوسّط اللازم اجتماعيّاً لإنتاج كيلو من القطن ، وهو - في مثالنا - ساعة ونصف ، فيصبح الكيلو من القطن تعبيراً عن ساعة ونصف من العمل الاجتماعي المتوسّط ، وتحدّد قيمته وفقاً لذلك . ويكون عمل ساعة في الأرض الأكثر كفاية منتجاً لقيمة أضخم من القيمة التي ينتجها عمل ساعة في الأرض الأخرى ؛ لأنّ العملين وإن كانا متساويين من ناحية شخصيّة ولكنّ كمّية العمل الاجتماعي المتوسّط المتضمّنة في أحدهما أكبر منها في الآخر ؛ لأنّ عمل ساعة في الأرض الخصبة يساوي ساعة ونصف من العمل الاجتماعي المتوسّط ، وأمّا عمل ساعة في الأرض الأخرى فهو يعادل ثلاثة أرباع ساعة من العمل المتوسّط اجتماعيّاً . فمردّ الفرق بين النتاجين في القيمة التبادليّة هو اختلاف العملين نفسيهما في كمّية العمل الاجتماعي المتوسّط المتضمّن في كلّ منهما . ولكنّنا بدورنا نتساءل : أنّ عمل ساعة في الأرض الأكثر كفاءة لزراعة القطن كيف أصبح أكبر من نفسه ؟ وبقدرة أيّ قادر أضيفت إليه نصف ساعة من العمل فأصبح يساوي عمل ساعة ونصف ؟ ! إنّ هذه النصف ساعة من العمل التي دسّت نفسها بطريقة سحريّة في عمل ساعة واحدة فصيّرته أكبر من نفسه ليست إنتاجاً إنسانيّاً ، ولا تعبيراً عن طاقة منفقة في سبيلها - لأنّ الإنسان لم يصرف في استخدام الأرض الأكثر كفاءة ذرّة من طاقة أكثر ممّا يصرفه في استخدام الأرض الأقلّ كفاءة - وإنّما هو نتاج الأرض الخصبة نفسها ، فخصب الأرض هو الذي قام بالعمل السحري ، فمنح مجّاناً نصف ساعة من العمل الاجتماعي للعامل . فإذا كانت نصف الساعة هذه تدخل في حساب القيمة التبادليّة للإنتاج كان معنى ذلك أنّ الأرض - بقدرتها على تمديد ساعة من العمل ومنحها قوّة ساعة ونصف - ذات دور إيجابي في تكوين القيمة التبادليّة ، وليس العمل الإنتاجي من المنتج هو وحده جوهر القيمة ومصدرها . وأمّا إذا لم تدخل نصف الساعة السحريّة في حساب القيمة ، وتحدّدت القيمة وفقاً للعمل الذي قدّمه الإنسان فحسب كان معنى ذلك أنّ القطن الناتج عن عمل ساعة في الأرض الأكثر كفاءة له يساوي القطن الناتج عن عمل ساعة في الأرض الأقلّ كفاءة ، وبمعنى آخر : أنّ كيلو من القطن يساوي نصف كيلو منه . ( المؤلّف قدس سره )